◆

من سيرة الإمام العارف بالله

مولده ونشأته وبعضًا من صفاته

محطات من نشأة الإمام الشيخ سعد الدين الجباوي وصفاته وسيرته المباركة

المولد المبارك

مكة المكرمة عام 460 هـ

«بدأ الهناء بسعد سعد الدين»

الوفاة

عام 575 هـ

«كمل نور سعد الدين»

وُلد سيدنا سعد الدين في مكة المكرمة عام 460 هجرية، كما قيل في تاريخ ولادته: «بدأ الهناء بسعد سعد الدين»، وتوفي قدس الله سره عام 575 هجرية، كما قيل في تاريخ وفاته: «كمل نور سعد الدين».

شمائل وسيرة

نشأته وصفاته ومحطات حياته

01 صفاته وشمائله

كان سيدنا سعد الدين، فيما بلغنا عنه، لطيف الذات، جميل الصفات، أبيض اللون، معتدل القامة، واسع العينين، جهوري الصوت، يستحي الناظر أن ينظر إليه لمهابته وجلالة قدره.

وروي أنه كان ذكيًا موهوبًا، جميل الخَلْق والخُلُق، نديّ الصوت، مولعًا بالفروسية وركوب الخيل والرماية والكرّ والفرّ.

02 نشأته وتحصيله العلمي

انكب على حفظ القرآن الكريم وهو في السابعة من عمره فأتمه، وكان يرتله في الحرم المكي بصوت جميل نديّ. وأتم تحصيله للعلوم الدينية في سن صغيرة، فدرس الحديث والتفسير والتوحيد والتصوف والفقه على المذهب الشافعي رضي الله عنه.

وكان ملازمًا لوالده الشيخ يونس الشيباني الحسني في مجالسه، وما رآه أحد من هذه الأمة إلا وتوسم فيه الرفعة والسيادة والنجابة والوراثة المحمدية.

03 رحلاته وسياحاته

كانت له عدة سياحات طويلة في بقاع الأرض، كان أولها باليمن، ثم مصر وبلاد المغرب وبلاد الشام وبيت المقدس والعراق، مما زاد في تحصيله العلمي والمعرفي.

وزار خلال رحلاته كثيرًا من العلماء والأولياء والصالحين. وقيل إنه كان يدون رحلاته، ثم قام ولده الشيخ محمد شمس الدين بجمعها وترتيبها في كتابين؛ خُصص الأول لرحلاته، والثاني لمروياته.

04 قدومه إلى بلاد الشام

في هذه الفترة المبكرة من عمر الشيخ، كانت البلاد الإسلامية تعمها الفوضى والبلابل والفتن، وابتليت بالحملات الصليبية التي كانت تغزو بلاد الشام تباعًا. فخرج الشيخ إلى بلاد الشام ونزل أرض الجولان تجاه جبل الشيخ.

فكرّ عليه جماعة من قطاع الطرق لسلب أمتعتهم وأخذ ما لديهم، فكرّ عليهم الشيخ واستوثق زعيمهم. وطلبوا منه أن يطلق سراحه وأن يتزعمهم، وقد توسم فيهم الخير والشجاعة، فقرر أن يبقى معهم رغبةً منه في استتابتهم وإصلاحهم.

وعمل على مداواة نفوسهم وتوجيههم بحكمة وبُعد نظر، فدعاهم إلى التحلي بأخلاق الرجال والفرسان، وصوّر لهم معنى الرجولة والشجاعة، وأثار فيهم نوازع الإقدام.

05 التوبة والفتح الرباني

شاع بين الناس أن الشيخ تزعم جماعة من قطاع الطرق وأنه اشتغل بلهوه وبطالته، ووصل الخبر إلى والده الشيخ يونس بمكة، فاغتم لذلك وعظم عنده الأمر. فدخل المسجد الحرام وبذل مجهوده في الدعاء أن يهدي الله ولده أو يأخذه إليه، فما أتم دعاءه حتى جاء الغوث من الله.

وبينما الشيخ وجنده على ما هم عليه، إذ أقبل نفر من ثلاثة أشخاص على خيول بيض وثياب بيض. فصوب عليهم الشيخ خشيةً منهم، فنظر إليه أوسطهم وناداه بقوله تعالى:

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ سورة الحديد – الآية 16

فقال له: بلى يا رسول الله، آن. فأخذه البكاء وسقط مغشيًا عليه من شدته، وكذلك جماعته صعقوا وقد أغمي عليهم من شدة الموقف.

فلما أفاق، مسح الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم على صدره، وأمره بالاستغفار، وخلع عليه رداءه الشريف وألبسه الخرقة المباركة.

ثم تقدم إليه أحد الفرسان، وهو سيدنا الإمام علي كرم الله وجهه، وقد أخرج من جيبه ثلاث تمرات وناولهن لحضرة المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فتفل عليهن ونفث بأنفاسه المباركة، وناولها للشيخ سعد الدين وقال له:

«خذها لك ولذريتك من بعدك إلى يوم القيامة»

فتناولها الشيخ وقبّلها وعظّمها، فأشرقت شمس القبول، وصار ببركة المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من كبار العارفين بالله، ونال ما نال من الأسرار الربانية.

06 أحواله ومقامه في المعرفة

انجذب إلى مولاه، وأفاض أنوار باطنه على ظاهره، وجرت عليه صور المجاهدة من غير مكابدة وعناء، بل بلذاذة وهناء، حتى امتلأ حب الله في قلبه.

وقد روي أنه كان يكون جالسًا فيبتسم، ثم يغلب عليه الجلال فيبكي ويقول: الله، فيخرج من فيه نور يشاهده كثير من جلسائه.

وقد ذكر الإمام المحدث السخاوي أن الشيخ سعد الدين كان صاحب الوقت مبتدأً، وصاحب الأنفاس منتهى، وصاحب الأحوال بينهما.

«النَّفَس ترويح القلوب بلطائف الغيوب، وصاحب الأنفاس أرق وصفًا من صاحب الأحوال؛ فالأوقات لأصحاب القلوب، والأحوال لأرباب الأرواح، والأنفاس لأهل السرائر» الإمام القشيري
«السر محل المشاهدة، كما أن الأرواح محل المحبة، والقلوب مجال المعرفة، والسر ألطف من الروح، والروح أشرف من القلب» أبو علي الدقاق
07 عودته إلى مكة واستقراره في جَبَا الشام

وهكذا صارت روحه رضي الله عنه تترنم بألحان العرفان على عيدان أغصان الإنسان، فطار من مستوى النفس إلى أوج العقل، ليأخذه تحت جناح طربه إلى مدينة «كان الله ولا شيء معه»، فالتقيا فارتقيا، فوردا فشهدا، فجمعا فوسعا، فأعادا غرائبًا من حضرة:

﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ سورة الأنعام – الآية 91

وبعد هذه الكرامة التي أكرم الله بها الشيخ سعد الدين رضي الله عنه، عاد إلى مكة المكرمة، فتلقاه والده وهنأه بما تفضل الله عليه، وأذن له بالدخول في سلك القوم، ولقنه الذكر وألبسه الخرقة المحمدية.

ثم أمره بالتوجه إلى الشام حيث فتوحه فيها، فأنشأ رباطه ومسجده في جَبَا الشام، وصار جنده الذين خرج من أجلهم من العارفين والمجاهدين.

وصارت جَبَا الشام محط الرجال ومنارةً للعلم والمعرفة ومنهلًا للعارفين، وعمّت بركات الشيخ الآفاق وذاع صيته في الأمصار.

الهوامش والمصادر

  1. نقلًا عن مخطوط بخط الشيخ مصطفى سعد الدين، نقيب الأشراف بصفد.
  2. نقلًا عن رسالة في نسب الشيخ سعد الدين الجباوي وبعض أحواله وشمائله، بقلم الأستاذ الشيخ محمد غازي حسين آغا الحسيني.
  3. سورة الحديد، الآية 16.
  4. سورة الأنعام، الآية 91.