الفتاوى

ما هي مقامات السالكين في طريق التصوف؟

ما هي مقامات السالكين في طريق التصوف؟

الجواب:
اعلم – وفّقني الله تعالى وإياك – أن السالك في طريق القوم لا بدّ له من السير على مقامات يترقى فيها درجةً بعد درجة، حتى يبلغ مقام الإحسان والمعرفة بالله.
وقد اختلفت عبارات المشايخ في عددها وترتيبها، لكنها تدور حول معنى واحد، هو الترقي من النفس إلى الرب، ومن الكثرة إلى الوحدة، ومن الغفلة إلى الشهود.

قال الإمام القشيري رضي الله عنه:

«المقامات أحوالٌ يكتسبها السالك بالمجاهدة، والأحوال مواهب يمنحها الله لأهل المقامات».


1. مقام التوبة

هو أول منازل السالكين، وأساس الطريق كله.
قال الله تعالى:

﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
(النور: 31).

والتوبة عند الصوفية ليست مجرد ترك المعصية، بل رجوعٌ من كل ما يشغل عن الله إلى الله.
قال الجنيد:

«التوبة أن تنسى ذنبك، وتذكر فضل ربك».


2. مقام الزهد

الزهد هو ترك ما لا ينفع في الآخرة، لا ترك الدنيا كلها، بل ترك تعلق القلب بها.
قال سيدي أحمد الرفاعي رضي الله عنه:

«الزهد ترك كل شيء يقطعك عن الله، ولو كان نفسك».

وقال تعالى:

﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾
(الحديد: 23).


3. مقام الصبر

الصبر هو الثبات على أحكام الله في السراء والضراء، وهو من أعظم منازل السالكين.
قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
(البقرة: 153).

وقال سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه:

«من صبر على البلاء رفعه الله إلى مقامات الأولياء».


 4. مقام الشكر

إذا استقام الصبر، جاء بعده الشكر. فالشكر دوام الاعتراف بنعمة الله واستعمالها في طاعته.
قال تعالى:

﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾
(إبراهيم: 7).

وقال الإمام السهروردي:

«الشكر رؤية النعمة من المنعم لا من الوسائط».


5. مقام الرضا

الرضا هو سكون القلب إلى حكم الله، واطمئنانه بكل ما يقضيه.
قال تعالى:

﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾
(المائدة: 119).

وقال الجنيد:

«الرضا أن لا تتمنى خلاف ما هو كائن».


6. مقام المحبة

المحبة هي تاج المقامات، ونهاية السير، ومبدأ الأنس بالله، وهي غاية التصوف ولبه.
قال تعالى:

﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾
(المائدة: 54).

وقال الإمام الغزالي:

«غاية القرب من الله هي المحبة، ومن أحبّ الله لم يبق له مراد سواه».


7. مقام المعرفة (العارف بالله)

هو آخر المقامات، حيث يذوب السالك في شهود الحق، ويرى الأشياء بالله لا بنفسه.
قال تعالى:

﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾
(ق: 22).

وقال الشيخ الأكبر ابن عربي رضي الله عنه:

«المعرفة حياة القلب بنور المشاهدة، فمن عرف الله لم ير غيره».


خلاصة القول

المقامات طريق، والغاية معرفة الله، وكل مقام باب إلى الذي بعده، حتى يترقى السالك من التوبة إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى المحبة، ومن المحبة إلى الفناء في شهود الله تعالى.
قال الإمام السهروردي:

«التصوف سفر من نفسك إلى ربك، تحت راية رسولك ﷺ».


📚 المراجع والمصادر:

  1. القرآن الكريم (سور: النور، الحديد، البقرة، إبراهيم، المائدة، ق)

  2. الرسالة القشيرية – للإمام القشيري

  3. عوارف المعارف – للسهروردي

  4. الغنية لطالبي طريق الحق – للجيلاني

  5. إحياء علوم الدين – للغزالي

  6. الرسالة الحذيفية في تعريف التصوف والصوفية


✍️ خادم الطريقة السعدية: سامر السعدي

Leave A Comment

Your Comment
All comments are held for moderation.