تاريخ نشأة التصوف
تاريخ نشأة التصوف
اعلم أخي السالك – وفّقني الله تعالى وإياك – أن التصوف في حقيقته ووفق ما بيّنّاه في تعريفه، إنما يرجع في أصله ومنشئه إلى عهد النبي ﷺ، وكل قواعده وأسسه مستمدة من الشريعة المطهّرة.
أصول التصوف في الشريعة
إن التشريع الذي جاءنا في الكتاب والسنة وما نزل في الكتب السماوية من قبلنا، وما بعث الله به رسله، ينقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
-
قسم يتعلق بأعمال المكلّف
وهو ما يشمل الأحكام العملية التي تنظم علاقة الإنسان بربه ونفسه والناس من حوله. ويُعرف هذا القسم باسم علم الفقه والأصول. -
قسم يتعلق بالعقيدة والتوحيد
ويضم ما يجب على الإنسان الإيمان به من إلهيات وسمعيات وغيب، ويُعرف بـ علم العقيدة وعلم الكلام. -
قسم يتعلق بنفس المكلّف وأخلاقه
وهو الجانب الذي يُعنى بتزكية النفس وتطهيرها من الصفات المذمومة وتحليتها بالصفات المحمودة.
وقد بيّن النبي ﷺ هذا المقام بقوله:«إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» (رواه مالك عن أبي هريرة رضي الله عنه).
حديث جبريل أساس مقامات الدين
تجلّت هذه الأقسام الثلاثة في حديث جبريل المشهور، حين جاء إلى النبي ﷺ وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، فقال ﷺ في بيان الإحسان:
«أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»
(رواه مسلم)
فالإسلام يمثل الشريعة، والإيمان يمثل الطريقة، والإحسان يمثل الحقيقة.
وهذا القسم الثالث (الإحسان) هو الذي يقوم عليه علم التصوف.
التصوف مقام الإحسان في الدين
يقول الشيخ محمد صديق الغماري رحمه الله:
«فلتعلم أن الطريقة أسسها الوحي السماوي، في جملة ما أسس من الدين المحمدي، إذ هي بلا شك مقام الإحسان الذي هو أحد أركان الدين الثلاثة…»
(الانتصار لطرق الصوفية ص5)
فالتصوف إذن ليس خارج الدين، بل هو قلب الدين وروحه، إذ يسعى لتحقيق مقام الإحسان بعد تصحيح الإسلام والإيمان.
التصوف في عهد الصحابة والتابعين
لو نظرنا في تاريخ الأمة، لوجدنا أن الصحابة رضي الله عنهم قد تميز كلٌّ منهم بجانب من جوانب الكمال:
-
فـ أبو بكر رضي الله عنه تميز بالحلم والإيمان والكرم.
-
وعمر رضي الله عنه بالعدل.
-
وعثمان رضي الله عنه بالحياء.
-
وعلي رضي الله عنه بالعلم والشجاعة والقضاء.
وكان منهم من تخصص في الفقه، أو الحديث، أو القرآن، أو الزهد والعبادة.
ثم جاء التابعون، فكان من أبرزهم في الزهد والتزكية: الحسن البصري، ومعروف الكرخي، والجنيد البغدادي، وذو النون المصري، وغيرهم من أئمة السلوك.
فهؤلاء وضعوا اللبنات الأولى لعلم التصوف، كما وُضع في تلك العصور علم الفقه والحديث والتفسير وسائر العلوم الشرعية.
التصوف علم قائم بذاته
إن علم التصوف كغيره من العلوم، له أصوله وقواعده المستمدة من الكتاب والسنة، وهو القسم الثالث من علوم الشريعة.
وإن ما دخل فيه من شوائب أو بدع في عصور لاحقة لا يقدح في أصله الصحيح، كما أصاب سائر العلوم من اختلاف وتأويل.
قال الإمام القشيري في رسالته:
«اعلموا رحمكم الله أن المسلمين بعد رسول الله ﷺ لم يتسم أفاضلهم في عصرهم إلا باسم الصحبة… ثم لما ظهرت البدع، وانفرد أهل السنة المراعون قلوبهم باسم التصوف، واشتهر هذا الاسم قبل المائتين من الهجرة»
(الرسالة القشيرية 1/34)
مراحل تطور التصوف
قال ابن خلدون في مقدمته:
«طريقة هؤلاء القوم – أعني الصوفية – لم تزل عند سلف الأمة طريقة الحق والهداية، وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى… فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية»
(مقدمة ابن خلدون ص329)
وفي القرن الثالث الهجري أصبح التصوف علمًا مدوَّنًا، ومن أبرز من ألّف فيه:
-
الحارث المحاسبي (243هـ) – بدء من أناب إلى الله، آداب النفوس.
-
أبو سعيد الخراز (277هـ) – الطريق إلى الله.
-
أبو عبد الرحمن السلمي (325هـ) – آداب الصوفية.
-
السراج الطوسي (378هـ) – اللمع في التصوف.
-
الكلاباذي (380هـ) – التعرف على مذهب أهل التصوف.
-
أبو طالب المكي (386هـ) – قوت القلوب.
وفي القرن الخامس جاء الإمام القشيري بكتابه الرسالة القشيرية، ثم الإمام الغزالي بكتابه العظيم إحياء علوم الدين، فكان نقلة نوعية في التصوف الإسلامي.
من المدارس إلى الطرق الصوفية
في القرن السادس الهجري، تطور التصوف إلى مدارس منظمة، ثم إلى طرق صوفية تنسب إلى أئمتها، مثل:
- الطريقة السعدية: أسسها الشيخ سعد الدين الجباوي في جبا الشام، وكانت منارةً للعلم والولاية.
-
الطريقة القادرية: أسسها الشيخ عبد القادر الجيلاني في بغداد، وكانت منارةً للعلم والولاية.
-
الطريقة الرفاعية: تنسب للقطب الكبير أحمد الرفاعي في البصرة.
ثم ظهرت بعدهما الشاذلية، السهروردية، الدسوقية، البدوية وغيرها، حتى صار التصوف علمًا شاملاً قائمًا بذاته إلى يومنا هذا.
خلاصة القول
يتبين من كل ما سبق أن علم التصوف ليس بدعًا حادثًا، بل هو امتداد لمقام الإحسان الذي جاء به الإسلام، وأصله كتاب الله وسنة نبيه ﷺ.
ومن أنكر التصوف في جوهره، فقد أنكر أحد أركان الدين الثلاثة التي علمها جبريل عليه السلام للأمة.
بقلم: خادم الطريقة السعدية – سامر السعدي
المراجع
-
رواه مالك عن أبي هريرة رضي الله عنه.
-
الانتصار لطرق الصوفية ص5.
-
الرسالة القشيرية (1/34).
-
مقدمة ابن خلدون ص329.