حقيقة علم التصوف
حقيقة علم التصوف في الطريق السعدية
أيها السالك في طريق الله، تأمل معي – رعاك الله – أن حقيقة التصوف ليست دعوى تُقال، ولا ثوبًا يُرتدى، بل هي الصدق في عبودية الله، والإخلاص في العمل بالشريعة ظاهرًا وباطنًا.
فالتصوف في جوهره حياة القلوب، وإحياء الروح بالذكر والمراقبة، وهو السير إلى الله على جناحي العلم والعمل، بنور الإخلاص والصفاء.
لقد اتفق أهل البصيرة أن التصوف هو العمل بالشريعة على وجه الكمال والتمام، مع حضور القلب ومراقبة الحق تعالى في كل الأحوال، فالصوفي هو من جمع بين العلم والعبادة، وبين المعرفة والمحبة، وبين التزكية والخشية.
يقول رسول الله ﷺ: «طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ» (رواه ابن ماجه)
العلم أساس الطريق، ثم يأتي العمل به، ثم تزكو النفس بالإخلاص والمجاهدة والذكر، فلا تصوف بلا علم، ولا علم بلا عمل، ولا عمل بلا إخلاص. ومن قال بغير ذلك فقد خرج عن روح الطريق، لأن التصوف الحق هو لبّ الشريعة وروحها.
ولو نظرنا في سير رجال الطريق الأوائل الذين وضعوا أسس هذا العلم الشريف، لوجدناهم علماء عاملين، زهادًا صادقين، دعاة إلى الله على بصيرة، ساروا بالكتاب والسنة، فبارك الله في سيرهم، وأجرى على أيديهم الأنوار والبركات، وبقيت آثارهم تهدي الناس إلى يومنا هذا.
أقوال الأئمة والعلماء في التصوف
-
ابن عابدين نقلًا عن القشيري:
«إن أبا القاسم النصرآباذي أخذ الطريقة عن الشبلي، وهو عن السري السقطي، عن معروف الكرخي، عن داود الطائي، عن أبي حنيفة» (حاشية ابن عابدين، رد المحتار 1/60) -
الإمام مالك رضي الله عنه:
«من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقق» (مرقاة المفاتيح، شرح مشكاة المصابيح 1/335) -
الإمام الشافعي رضي الله عنه:
«حبب إليّ من دنياكم ثلاث: ترك التكلف، وعشرة الخلق بالتلطف، والاقتداء بطريق أهل التصوف» (كشف الخفاء ومزيل الإلباس، للعجلوني ص 341)
«صحبت الصوفية فاستفدت منهم ثلاث كلمات: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، ونفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر، والعدم عصمة» (تأييد الحقيقة العلية – السيوطي ص15) -
الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه:
«يا بُني، عليك بمجالسة هؤلاء القوم، فإنهم زادوا علينا بكثرة العلم والمراقبة والخشية والزهد وعلو الهمة» (تنوير القلوب – الشيخ أمين الكردي ص405)
«لا أعلم أقوامًا أفضل منهم… دعوهم يفرحوا مع الله ساعة» (غذاء الألباب – السفاريني ج1 ص120) -
الإمام الغزالي:
«ولقد علمت يقينًا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وأن سيرهم أحسن السير، وطريقتهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق» (المنقذ من الضلال ص49) -
الإمام النووي:
«أصول طريق التصوف خمسة: تقوى الله في السر والعلانية، اتباع السنة في الأقوال والأفعال، الإعراض عن الخلق، الرضا عن الله، الرجوع إليه في السراء والضراء» (مقاصد الإمام النووي ص20) -
الإمام العز بن عبد السلام:
«قعد القوم من الصوفية على قواعد الشريعة التي لا تتهدم دنيا وأخرى، ومما يدل على ذلك ما يقع على أيديهم من الكرامات، فهي ثمرة قربهم من الله ورضاه عنهم» (نور التحقيق – الشيخ حامد صغر ص96) -
الإمام تاج الدين السبكي:
«حياهم الله وبياهم وجمعنا في الجنة نحن وإياهم، والحاصل أنهم أهل الله وخاصته الذين ترتجى الرحمة بذكرهم، ويستنزل الغيث بدعائهم» (معيد النعم ومبيد النقم ص119) -
الإمام الرازي:
«طريق الصوفية إلى معرفة الله هو التصفية والتجرد من العلائق البدنية، وهذا طريق حسن، وهؤلاء هم خير فرق الآدميين» (اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص72) -
الإمام الشاطبي:
«بنوا طريقهم على اتباع السنة واجتناب ما خالفها» (الاعتصام – الإمام الشاطبي) -
الإمام السيوطي:
«التصوف علم شريف، ومداره على اتباع السنة وترك البدع، غير أن الدخلاء فيه أساؤوا الظن بأهله» (تأييد الحقيقة العلية – السيوطي ص57) -
ابن خلدون:
«هذا العلم – يعني التصوف – من العلوم الحادثة في الملة، وأصله طريقة الصحابة والسلف، وهي العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله، والإعراض عن زخرف الدنيا…» (مقدمة ابن خلدون ص329)
خلاصة القول
إن حقيقة التصوف هي العمل بالشريعة بإخلاصٍ وكمالٍ ومراقبةٍ لله تعالى، وهو ثمرة العلم والعمل معًا، وروح الدين ولبّه.
فالصوفي هو من جمع بين ظاهر الشريعة وباطن الحقيقة، وسار إلى الله بنور الكتاب والسنة، لا ببدع ولا بأهواء.
فمن زعم أن التصوف بدعة فقد جهل، ومن نسبه إلى غير الشرع فقد ظلم.
بل التصوف هو روح الإسلام وغاية الإحسان، وعليه سار السادة السعدية ومن قبلهم أئمة الطريق، يعلّمون الخلق محبة الله، وتزكية النفس، وخدمة الدين بصفاءٍ وصدقٍ وإخلاص.
بقلم: خادم الطريقة السعدية – سامر السعدي