الفتاوى

هل تكفي الإجازة الصوفية للتصدر للمشيخة والإرشاد؟

هل تكفي الإجازة الصوفية للتصدر للمشيخة والإرشاد؟

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل أهل التصوف ورثة الأنبياء في تزكية النفوس وتصفية القلوب، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ وآله وصحبه أجمعين.

 الجواب:

اعلم – وفّقنا الله تعالى وإياك – أن الإجازة في الطريق الصوفي على شرفها وفضلها ليست هي المقصود الأعظم، وإنما هي علامة على الإذن، لا على الكمال.
فالطريق لا يُنال بالأوراق، بل بالسلوك الصادق، والمجاهدة، والصدق في الطلب، والإخلاص في السير إلى الله تعالى.

ولهذا كان واجبًا على من يحمل إجازة أن يسأل نفسه بصدق:
هل نلتُ هذه الإجازة بعد مجاهدةٍ ومراقبةٍ وسلوكٍ تحت يد شيخٍ مربٍّ عارفٍ بالله؟
أم كانت تبركًا أو عادةً أو منحةً دون تربيةٍ أو إذنٍ خاص؟
فإن كانت الثانية، فليعلم أن الإجازة لا تخوّله التصدّر للمشيخة والإرشاد، لأن فاقد الشيء لا يُعطيه، ولا يستطيع من لم يزكِّ نفسه أن يزكّي غيره.

 نصيحة الأئمة في هذا الباب

قال الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه:

«يا من تمشيخ وتصدَّر وزاحم الشيوخ المخلصين في أحوالهم، ما دمت تطلب الدنيا بنفسك وهواك فأنت صبي، ذلك طبع محض، النادر من كل نادر؛ نفسٌ تعرض عن الدنيا وتتركها اختياراً لا اضطراراً»
📖 الفتح الرباني

وقال الإمام الغزالي رحمه الله:

«إن سالك سبيل الله قليل، والمدعي فيه كثير، ونحن نعرفه بعلامتين:
الأولى أن تكون أفعاله موزونة بميزان الشرع،
والثانية أن يواظب على النوافل بعد أداء الفرائض»
📖 ميزان العمل – باب منازل السائرين إلى الله

وقال الشيخ نور الدين قدّس سره:

«ولا تصدق أحدًا تصدَّر للمشيخة إلا من سلك زمناً طويلاً في الخلوات، وعلمتَ منه أنه خالف نفسه فيها بأنواع الرياضات، فإن تبعته وهو ليس كذلك، فقد هلكتَ أنتَ وهو»
📖 البدور الجلية ص 123

 خلاصة القول:

من حصل على إجازة عامة أو تبرك بها دون سلوكٍ وتربيةٍ ومجاهدةٍ، فلا يجوز له أن يتصدر للإرشاد أو التربية، لأن التصدر مقام أمانةٍ عظمى ومسؤوليةٍ أمام الله تعالى.

أما من ربّاه شيخه وسلك بين يديه وعرّفه مراتب النفس والروح والقلب، ثم أذن له بالإرشاد إذنًا خاصًّا بعد أن رأى فيه الأهلية والمقام، فله أن يتصدر بإذن شيخه، على قدر ما أُذن له، لا على سبيل الكمال أو الادّعاء، بل على سبيل الخدمة والتربية والتذكير.

فالمشيخة ليست تشريفًا دنيويًا، بل تكليفٌ ربّانيٌّ ثقيلٌ لا يحمله إلا الصادقون، ومن صدق مع الله رفعه الله، ومن تواضع لله رفع قدره بين عباده.

“اللهم ارزقنا الصدق في الطلب، والإخلاص في السير، ولا تجعلنا ممن يتصدرون قبل التزكية والتأهيل.”


✍️ خادم الطريقة السعدية
سامر السعدي

Leave A Comment

Your Comment
All comments are held for moderation.