التصوف والسلوك

نسبة علم التصوف

نسبة علم التصوف وأصل تسميته في الطريقة السعدية

أيها السالك في طريق الله، اعلم – وفّقنا الله وإياك – أن علم التصوف هو علم شريف، بل هو سرّ من أسرار المعرفة الإلهية، غير أن العلماء اختلفوا في سبب تسميته واشتقاقه، وتعددت أقوالهم في أصله ومعناه.
فمنهم من نظر إليه من جهة اللغة، ومنهم من نظر إليه من جهة المعنى، ومنهم من ذاق حقائقه فعرفه من طريق القلب والذوق.

وقد خاض المؤيدون والمعارضون في بيان أصل هذه التسمية، كما اختلف المتصوفة أنفسهم في نسبتها، ولكن المتأمل بنور البصيرة يدرك أن هذا الاسم الجليل لم يأتِ عبثًا، بل أُلهم به أهل الله لما فيه من دلالات على الصفاء والزهد والنقاء.


 أولاً: التصوف من الصفاء – وهو القول الأصح والأرجح

وأقرب الأقوال إلى جوهر الحقيقة أن التصوف مشتق من الصفاء، وهو صفاء القلب والسر من كل ما سوى الله تعالى، وتنقية النفس من شوائب الغفلة والأنانية، حتى لا يبقى في القلب إلا الله.

قال الإمام الجنيد البغدادي قدس سره، وهو من أئمة الطريق:

«التصوف تصفية القلب عن موافقة البرية، ومفارقة الأخلاق الطبيعية، وإخماد الصفات البشرية، ومجانبة الدواعي النفسانية، ومنازلة الصفات الروحانية، والتعلق بالعلوم الحقيقية، واستعمال من هو أولى على الأبدية، والنصح لجميع الأمة، والوفاء لله على الحقيقة، واتباع الرسول في الشريعة».

وقال أيضًا رضي الله عنه:

«التصوف أن يختصك الله بالصفاء، فمن صفا من كل ما سوى الله فهو الصوفي».

وقال سهل بن عبد الله التستري قدس سره:

«الصوفي من صفا من الكدر، وامتلأ من الفكر، وانقطع إلى الله من البشر، واستوى عنده الذهب والمدر».

وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه:

«الصوفي من كان صافياً من آفات النفس، خالياً من مذموماتها، ملازماً للحقائق، غير ساكن بقلبه إلى أحدٍ من الخلائق».

وقال الإمام أحمد الرفاعي قدس سره:

«الصوفي من صفا سره من كدورات الأكوان، وما رأى لنفسه على غيره مزية».

ويقول الإمام السهروردي في عوارف المعارف:

«الصوفي هو الذي يكون دائم التصفية، لا يزال يصفي الأوقات عن شوب الأكدار بتصفية القلب عن شوب النفس، ويعينه على هذه التصفية دوام افتقاره إلى مولاه، فبدوام الافتقار ينقى من الكدر».

أما الكلاباذي فقد لخّص الأمر بقوله في التعرّف لمذهب أهل التصوف:

«إن أصل الصوفية ينتسبون إلى الصفاء، وأنهم سموا صوفية لصفاء أسرارهم، ونقاء آثارهم، وضياء قلوبهم».

فالتصوف إذن هو علم الصفاء، ومن صفا قلبه لله صار من أهل هذا الاسم المبارك.


 ثانيًا: التصوف من لبس الصوف

ورأى فريق من العلماء أن التصوف منسوب إلى لبس الصوف، إذ كان شعار الأنبياء والعارفين، ودليل الزهد والتواضع، ومظهر الإعراض عن الدنيا وزينتها.

قال الكلاباذي رحمه الله:

«وإن جعل مأخذه من الصوف استقام اللفظ وصحت العبارة من حيث اللغة، وجمع المعاني كلها من التخلي عن الدنيا، وصفاء المعاملات، وصفوة الأسرار، وانشراح الصدور».

وقال ابن عجيبة الحسني في إيقاظ الهمم:

«هذا الاشتقاق أليق لغة وأظهر نسبة، لأن لباس الصوف حكم ظاهر على الظاهر، ونسبتهم إلى غيره أمر باطن، والحكم بالظاهر أوفق وأقرب».

وقال الروذباري رضي الله عنه:

«الصوفي من لبس الصوف على الصفاء، وأطعمه الهوى ذوق الجفاء، وكانت الدنيا منه على القفا، وسلك منهاج المصطفى ﷺ».

فمن لبس الصوف ظاهراً، ولبس الصفاء باطناً، فقد جمع بين الحال والمقام، وكان من أهل الله.


 ثالثًا: التصوف نسبة إلى أهل الصفة

وقال آخرون: إن الصوفية منسوبون إلى أهل الصُّفّة، وهم أولئك الصحابة الفقراء الذين سكنوا في مؤخرة المسجد النبوي، تفرغوا للعبادة والزهد والذكر، ورضوا بما قسم الله لهم من بساطة الحياة وسموّ الحال.

قال الإمام الكلاباذي في التعرّف:

«وقَالَ قوم إنما سموا صوفية لقرب أوصافهم من أوصاف أهل الصفة الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ».

فالصوفية على نهج أولئك الأبرار في صفاء قلوبهم، وإعراضهم عن الدنيا، وانقطاعهم إلى الله.


 أقوال أخرى في أصل الكلمة

وقد قيل أيضًا:

  • إنهم سموا صوفية لاتصافهم بالصفات الحميدة وترك الصفات الذميمة.

  • أو من الصفوة لأنهم صفوة الله من خلقه.

  • أو من الصفة لأنهم اتصفوا بكل فضيلة.

  • وقيل: من الصوفة لأنهم طرحوا أنفسهم بين يدي الله بلا تدبير ولا حيلة.

  • وقيل: من الصف الأول في الصلاة لما فيه من شرف القرب.

  • وقيل: من الكلمة اليونانية “سوفيا” أي الحكمة.

لكن أرجح الأقوال وأصدقها ما ذكره أهل التحقيق من أن التصوف يجمع بين الصفاء ولبس الصوف، إذ أن الأول إشارة إلى الباطن والثاني إلى الظاهر، فهما جناحان لطائر السلوك إلى الله.

ويقول الإمام القشيري في رسالته:

«التصوف اسم عَلَم على طائفة الصوفية، بغض النظر عن اشتقاق الكلمة وأصلها، إذ قد غلب هذا الاسم على أهل الله وصار عَلَمًا عليهم».


 خلاصة القول

إن التصوف – كما يراه السادة السعدية – هو صفاء السر وصدق التوجّه إلى الله، لا شكلًا ولا شعارًا، بل حالًا وسلوكًا.
ومن سمّي صوفيًّا فليس لكثرة ذكرٍ أو عبادة، بل لصفاء قلبه وخلوص نيّته، ودوام افتقاره إلى الله.

فالصوفي الحقّ هو من جمع بين الزهد والعلم، وبين الصفاء والوفاء، وبين الظاهر والباطن، فسار على نهج الأنبياء والأولياء في طريق المعرفة والمحبة والصدق.


 المراجع

  1. الرسالة الحذيفية في تعريف التصوف والصوفية.

  2. التعرّف لمذهب أهل التصوف – ص 21، 25.

  3. مقدمة الشيخ عبد الحليم محمود على غيث المواهب العلمية (1/26).

  4. الغنية لطالبي طريق الحق – ص 605–606.

  5. البرهان المؤيد – ص 69.

  6. عوارف المعارف – الإمام السهروردي.

  7. إيقاظ الهمم في شرح الحكم – ابن عجيبة.

  8. الرسالة القشيرية – ص 183.


بقلم: خادم الطريقة السعدية – سامر السعدي

    Leave A Comment

    Your Comment
    All comments are held for moderation.